الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
63
مناهل العرفان في علوم القرآن
يهدى به خلقه . ويظهر به حقّه ، على وجه يجعل ذلك الكلام منتقشا في قلب رسوله : حتى يحكيه بدقة وإتقان كذلك ؟ « الدليل الرابع » أننا نشاهد بعض الحيوانات الدّنيا تأتى بعجائب الأنظمة والأعمال ، مما نحيل معه أن يكون ذلك صادرا عن تفكير لها ، أو غريزة ساذجة فيها ، ومما يجعلنا نوقن بأنها لم تصدر في ذلك إلا عن إرادة عليا ، توحى إليها وتلهمها تلك العجائب والغرائب ، من الصناعات والأعمال ، والدقّة والاحتيال . وإذا صحّ هذا في عالم الحيوان ، فهو أولى أن يصح في عالم الانسان ، حيث استعداده للاتصال بالأفق الأعلى يكون أقوى ، وأخذه عنه يكون أتمّ ، ومن ذلك ما يكون بطريق الوحي . وإن شئت أمثلة لتلك الحيوانات التي ضربناها لك مثلا في إلهاماته العلوية ، فدونك النمل والنحل ، وما تأتيان من ضروب الأعمال ، ودقّة النظام . وهاك حيوانا غريبا أسموه « اكسيكلوب » . وقال عنه الأستاذ « ميلن إدوارد » المدرس بجامعة ( السوربون ) بفرنسا ما ترجمته : « إن الحيوانات المسماة « اكسيكلوب » تعيش منفردة ، وتموت بعد أن تبيض مباشرة ، وتخرج صغارها على حالة ديدان لا أرجل لها ، ولا تستطيع حماية نفسها من أية عادية ، كما لا تستطيع الحصول على غذائها . ومع ذلك فحياتها تقتضى أن تعيش مدة سنة في مسكن مقفل ، وفي هدوء تام ، وإلا هلكت . فترى الأم متى حان وقت بيضها ، تعمد إلى قطعة من الخشب ، فتحفر فيها سردابا طويلا ، فإذا أتمّته أخذت في جلب ذخيرة إليه ، تكفى صغيرا واحدا مدة سنة ، تلك الذخيرة هي طلع الأزهار وبعض الأوراق السّكّرية ، فتحشو بها قاع السرداب ، ثم تضع عليه بيضة واحدة ، ثم تأتى بنشارة الخشب ، وتكوّن منها عجينة تجعلها سقفا على تلك البيضة ، ثم تأتى بذخيرة أخرى فتضعها فوق ذلك